۞ الأدلة الخارجية:
القراءة الثالثة خارج لعبة ترجيح القراءات, فالصراع كله دائر بين القراءة الأولى والقراءة الثانية. الآن علينا أن نعرف ما هي المخطوطات التي تشهد لكل قراءة, وهل الرجوع للمخطوطات سيحسم الأمر أم لا ؟
القراءة الأولى (οὔπω ليس بعد) مُدعمة من العديد من المخطوطات اليونانية: البردية 66 (200م), البردية 75 (القرن الثالث), الفاتيكانية (القرن الرابع), واشنجطون (القرن الخامس), ومخطوطات النص البيزنطي, بالإضافة إلى (L T Δ Θ Ψ 070 0105 0141 0250 ƒ1 ƒ13 28 33 157 180 205 597 700 892 1006 1010 1243 1292 1342 1424 1505), ومن الترجمات القديمة نجد مخطوطتين من اللاتينية القديمة (f القرن السادس, q القرن السابع), وهناك بعض مخطوطات قليلة متأخرة من نسخة الفولجاتا,ونسخ سريانية (البشيطا من القرن الخامس, الفلسطينية من القرن السادس, الهيراكلينية من القرن السابع), ونسخ قبطية (الصعيدية من القرن الرابع, البروتو بحيرية من القرن الرابع, الأخميمية من القرن الرابع), وهناك أغلبية مخطوطات القراءات الكنسية.
الفاتيكانية (القرن الرابع)
القراءة الثانية (οὐκلا) أيضاً مُدعمة من مخطوطات يونانية مهمة: السينائية (القرن الرابع), بيزا (القرن الخامس), ثلاث مخطوطات أحرف كبيرة من القرن التاسع[9] (K 017, M 021, Π 041), بالإضافة إلى 1071 و 1241 من القرن الثاني عشر, ومن الترجمات القديمة نجد دعم شديد من اللاتينية القديمة (a القرن الرابع, b القرن الخامس, d القرن الخامس, e القرن الخامس, ff_2 القرن الخامس, aur القرن السابع, c القرن الثاني عشر), نسخة الفولجاتا (القرن الخامس), نسختين سريانيتين (الكوريتونية من القرن الرابع, السينائية من القرن الرابع), القبطية البحيرية (القرن التاسع), الأرمينية (القرن الخامس), الجورجية (القرن الخامس), الأثيوبية (القرن السادس), السلافينية (القرن التاسع). بالإضافة إلى مخطوطات قراءات كنسية (l 672 القرن التاسع, l 813 القرن الحادي عشر, l 950 القرن الثاني عشر, l 673 القرن الثاني عشر, l 1223 القرن الثالث عشر).
أما الدليل الآبائي لكلا القراءتين فسنقوم بمناقشته فيما بعد.
الجدير بالذكر أن نص القس شنودة إسحاق القبطي لإنجيل يوحنا يؤيد القراءة الثانية: (فاصعدوا أنتم إلى العيد أما أنا فلست أصعد إلى هذا العيد لأن وقتي لم يكمل بعد)[10]. أيضاً نجد في نسخة العالم هورنر ويليام للقبطية البحيرية ترجمة إنجليزية للنص القبطي[11] المؤيد للقراءة الثانية:
And go ye up to (the) feast : and I will not come up to the feast, because my time is not yet fulfilled
تعليقاً على شواهد القراءتين: نجد أن القراءة الأولى (οὔπω ليس بعد) مُدعمة من أقدم الشواهد اليونانية (البردية66 من 200م والبردية75 من القرن الثالث) بالإضافة إلى انتشار القراءة في أغلبية مخطوطات العهد الجديد, ولكن أحب أن أتذكر دائماً كلمات بارت إيرمان عن قراءة الأغلبية لمخطوطات العهد الجديد:
Bart D. Ehrman: Misquoting Jesus - Page 134 As we have already seen, we are never completely safe in saying that when the vast majority of manuscripts have one reading and only a couple have another, the majority are right. Sometimes a few manuscripts appear to be right even when all the others disagree. In part, this is because the vast majority of our manuscripts were produced hundreds and hundreds of years after the originals, and they themselves were copied not from the originals but from other, much later copies. Once a change made its way into the manuscript tradition, it could be perpetuated until it became more commonly transmitted than the original wording
كما رأينا سابقاً, لا نكون مطمئنين تماماً عندما نقول أن الغالبية العظمى من المخطوطات التي التحتوي على قراءة ومجموعة أخرى قليلة تحتوي على قراءة أخرى, أن القراءة الموجودة في الأغلبية هي الصحيحة. في بعض الأحيان يتضح لنا أن بعض المخطوطات هي التي تحتوي على القراءة الصحيحة حتى إن خالفت جميع المخطوطات الأخرى. هذا بسبب أن أغلبية المخطوطات تم إنتاجها بعد الأصل بمئات السنين, وهذه المخطوطات نفسها منسوخة ليست من الأصل بل من نسخ أخرى متأخرة عن الأصل. عندما يجد التغيير طريقه إلى التقليد النصي للمخطوطات, يمكن أن تثبت في التقليد حتى يكون أكثر إنتشاراً حتى من الكلمات الأصلية.
على الجانب الآخر نجد أن القراءة الثانية (οὐκلا) لها شواهد يونانية مُهمة لها ثقلها (السينائية من القرن الرابع, بيزا من القرن الخامس), وهذه قاعدة مُهمة يجب الإنتباه لها: ينبغي أن نقدر المخطوطات لا أن نحصيها[12], هذا بالإضافة إلى دعم رائع جداً من الترجمات القديمة للعهد الجديد (اللاتينية القديمة, الفولجاتا, السريانية, القبطية, الأرمينية, الجورجية, الأثيوبية, السلافينية). أقدم وأغلب مخطوطات الترجمة اللاتينية القديمة والتي ترجع نظرياً إلى القرن الثاني الميلادي[13] تدعم هذه القراءة. أيضاً يجب لفت الإنتباه إلى أن أقدم نسخ الترجمة السريانية (الكوريتونية والسينائية) تدعم هذه القراءة.
هناك نقطه أخرى في غاية الأهمية لصالح القراءة الثانية (οὐκ لا), هذه القراءة منتشرة جغرافياً بشكل كبير جداً في جميع أنواع نصوص العهد الجديد, فنجد شواهد من: النص السكندري (السينائية والقبطية البحيرية), النص البيزنطي (K 017, M 021, Π 041, 1071, 1241), النص الغربي (بيزا والفولجاتا والمخطوطات اللاتينية القديمة), النص القيصري (الترجمة الأرمينية والجورجية), بالإضافة إلى الشواهد الأخرى التي كانت منتشرة في بقاع الأرض المختلفة (السريانية السينائية والكوريتونية, الترجمة الأثيوبية والسلافينية), هذا التوزيع الجغرافي الممتاز يعطي توثيقاً رائعاً للقراءة.
أما بخصوص الشهادة الآبائية, أشهر النسخ النقدية[14] UBS4 تعطينا شهادة واحدة لقراءة (οὔπω ليس بعد) وهي للآب باسيليوس الكبير (379م), أما قراءة (οὐκلا) فلها شهادة سبعة آباء وهم: دياتسرون تاتيان (القرن الثاني), بورفريه الوثني نقلاً عن القديس جيروم (301م), أبيفانوس (403م), يوحنا ذهبي الفم (407م), كيرلس السكندري (444م), أمبروسيستر (384م), أغسطينوس (430م). تستطيع معرفة زمن الأب من مقدمة النسخة[15].
دياتسرون تاتيان يعتبر شهاد قديم جداً لصالح قراءة (οὐκ لا), فالكتاب يرجع نظرياً للقرن الثاني, أي بين 100م إلى 199م, وهذا يضاهي في القِدَم شهادة البردية 66 (200م) والتي تشهد لصالح قراءة (οὔπω ليس بعد), ولكن هناك بعض المسيحيين يعتقدون بأن: تاتيان في الدياتسرون شهد لقراءة ليس بعد وللرد نقول: الدياتسرون يشهد لقراءة لا أصعد, وهذا ما نجده في نُسخ الدياتسرون النقدية المُترجمة إلى اللغة الإنجليزية[16]:
I testify of it, that the works thereof are evil. Go ye up unto the feast: I go not up unto this feast; for my time is not yet full come. When he had said these words, he himself abode in Galilee
هذه النسخ النقدية للدياتسرون تأخذ عن أقدم مصادر النص, وهي تعليقات أفرايم السرياني على الدياتسرون[17]:
They say to him. There is no one who does any work in secret. For his brothers did not believe in him. I go not up in this feast. Why seek ye to slay me, a man who tells the truth
أما الذين يأتون بنص للدياتسرون يشهد لقراءة لست أصعد بعد, فهذا النص غالباً ما يكون مُعتمداً على النص العربي للدياتسرون, وللعلم فإن نص الدياتسرون الموجود في المجلد التاسع من مجلدات آباء ما قبل نيقية هو نص مُترجم من النسخة العربية للدياتسرون[18], هذا النص العربي هو أسوأ نص للدياتسرون على الإطلاق وغير مُجدي في عملية إعادة تكوين النص الأصلي للدياتسرون, كما يخبرنا بذلك بروس متزجر:
Bruce Metzger: The Early Versions of the New Testament Their Origin, Transmission, and Limitations - Page 16 From the point of view of the textual critic who wishes to ascertain whether a given reading stood originally in Tatian's Diatessaron, most scholars have considered the Arabic Diatessaron to be worthless, either because it had been translated from a Syriac Diatessaron which was almost completely assimilated to the peshitta test, or because the Arabic translation itself had been accommodated to the Peshitta
من وجهة نظر الناقد النصي الذي يحاول الوصول إلى القراءة الأصلية التي كانت موجودة في دياتسرون تاتيان, فإن أغلبية علماء النقد النصي يعتبرون أن النص العربي للدياتسرون ليس له أي قيمة, إما لأنها مُترجمة من نسخة سريانية للدياتسرون والتي جُعلت مُطابقة تقريباً بالكلية للنص السرياني البشيطا, أو لأن الترجمة العربية نفسها جُعلت مُطابقة للبشيطا.
إذن, النسخ النقدية اليونانية للعهد الجديد تقول أن الدياتسرون يشهد لقراءة لا أصعد, هذا لأن النسخ النقدية للدياتسرون والتي هي مبنية على أقدم الشواهد تشهد لقراءة لا أصعد, فلا يجب علينا أن نترك المصادر النقدية التي تتحرى الدقة ونتمسك بترجمة إنجليزية عن نسخة عربية ليس لها أي قيمة !
أما بخصوص شهادة يوحنا ذهبي الفم, فهناك بعض المسيحيين أيضاً يعتقدون بأن ذهبي الفم اقتبس قراءة (οὔπω ليس بعد) ولكن هذا غير صحيح بالمرة, في الحقيقة هذا الإعتقاد ناتج عن سوء فهم في القراءة, نحن نعلم من النسخ اليونانية النقدية أن يوحنا ذهبي الفم شاهد لقراءة (οὐκ لا) وإذا اطلعنا جيداً على كلامه سنجد أنه يثبت قراءة (οὐκلا) ولكنه يقوم بتوضيح المعنى[19]:
ستقولون: فكيف أنه صعد بالفعل مع أنه قد قال لست أصعد بعد ؟ إنه لم يقل "لست أصعد" بصورة جازمة بل قصد "لست أصعد الآن" أي "لست أصعد معكم لأن وقتي لم يكمل بعد" وهو بالحقيقة كان سيذهب ليُصلب في الفصح القادم.
أما بخصوص بورفريه, فقد كان أحد الوثنيين الذين عاشوا في القرن الثالث, وكان دائماً ما يهاجم المسيحية, ويبدوا أنه كان لديه نسخة من إنجيل يوحنا تشهد لقراءة (οὐκ لا), وهذا ما ينقله لنا الأستاذ واين كانادي:
Wayne C. Kannaday: Apologetic Discourse And The Scribal Tradition - Evidence Of The Influence Of Apologetic Interests On The Text Of The Canonical Gospels - Page 97 Judging from these remarks, it is easily ascertained that Porphyry’s text read oúk in verse 8. Moreover, he perceived between verses 8 and 10 either a breech of etiquette or an act of erratic vacillation (inconstantiae ac mutationis). In either case, Jesus’ behavior as recorded in this rendering of John’s narrative hardly reflected that of a holy figure boldly and decisively executing a foreordained, divine plan
بالحكم على تلك الملاحظات، من المؤكد بلا شك أن كتاب بورفري ذكر قراءة (οὐκ لا) في النص الثامن، بالاضافة إلى ذلك، قد فهم من النصوص 8 و10 إمّا مخالفة لآداب السلوك أو تذبذب غريب في السلوك. في اي من الحالتين، سلوك يسوع كما هو موثق في هذا التفسير لسرد يوحنا بالكاد عكس تلك الشخصية المقدسة التي بكل جرأة وحزم تنفذ الخطة الإلهية.
وهذا هو اقتباس كيرلس السكندرى لقراءة (οὐκلا)[20]: إذ كان قد قال إنه "لن يصعد إلى العيد" وإذ كان قد يسمح لاخوته أن يصعدوا هكذا إن هم أرادوا، فإنه بمفرده لأنه أكد أن وقته لم يحن بعد يصعد بعدهم.
وإليكم أيضاً إقتباس أغسطينوس لقراءة (οὐκلا)[21]:
Jesus answered them, My time is not yet come; but your time is alway ready. The world cannot hate you;but Me it hateth, because I testify of it that the works thereof are evil. Go ye up to this feast day. I go not up to this feast day, for My time is not yet accomplished.” Then follows the Evangelist; “When He had said these words, He Himself stayed in Galilee. But when His brethren were gone up, then went He also up to the feast day, not openly, but as it were in secret
إذن, في النهاية نجد أن هناك ترجيح لكفة قراءة (οὐκ لا) بالنسبة للشهادة الآبائية, على عكس ما ادعاه بعض المسيحين أن الشهادة الآبائية لصالح قراءة (οὔπω ليس بعد), ولعلهم فيما بعد يدققون فيما يكتبون حتى لا يضلوا المختارين بكتاباتهم هذه. وكتعليق أخير بخصوص الشواهد أو المخطوطات التي تشهد لقراءة ما, هناك من يقول أننا لا نملك دليلا على أن أقدم الشواهد المتاحة أيدت οὐκ ضد οὔπω, وأنا أقول هل لأن أقدم مخطوطتين لإنجيل يوحنا (البردية 66 و75) تشهدان لقراءة (οὔπω ليس بعد), فهل يعني هذا أن الأصل كان يحتوي على هذه القراءة ؟ أين الدليل على ذلك يا صديقي, يا عزيزي كلها ظنون, وقد أطلقت قديماً على علم النقد النصي علم اتباع الظن, فأنت تظن أن بإستنتاجاتك هذه قد وصلت إلى أقرب صورة للأصل, ولكن في حقيقة الأمر لا يوجد لديك خيط يربطك واقعياً بالأصل.
لعلنا الآن قد أدركنا أن قراءة (οὐκ لا) لها شواهد كثيرة وقوية وقديمة, فلا يجوز لأي زميل مسيحي أن يبخس حق هذه القراءة من ناحية الأدلة الخارجية, أعلم جيداً أن حال قراءة (οὔπω ليس بعد) أقوى من ناحية الأدلة الخارجية, ولكن قراءة (οὐκ لا) أيضاً لها شواهد لابد أن لا نهملها وعلينا أن ننظر لهذه الشواهد بعين الإعتبار, لنكمل دراستنا سوياً بحيادية في محاولة الفصل بين القراءتين, والوصول إلى إجابة حول السؤال المطروح: أي القراءتين هي الصحيحة ؟